كانت السماء تتلحف بسواد الليل ،و كنت كما كل مساء شاخصا بنظري إلى سماء
زنزانتي متأملا شقوق عمرها لأجسد قلبا لي أعياه التعب...
دوامة أفكار تدور لتحرك الهواء القليل الذي يقبل علي من تلك الفتحة الصغيرة في
الجدار،حيث أستطيع الموت على عتبات وجه السجان....
كلمات متضاربة لأفراد عائلتي لحظة اعتقالي....
دوي الأصوات المتألمة....نسمات الحرية وعشق الوطن....
صرخة صعدت من جوفي ممتلئة بي لتلقيني على أبواب قرار حاسم يدعى "العزة"
آه كم أنتظر الصباح لأعيد لهم ما يتكرمون علينا به من بقايا طعام وأعلن للملأ عشقي للملح والماء.....
ما أصعب الانتظار حين يكون المنتظر مجهولا أكثر من سبب وجودي هنا!! لكنه الواقع لا بد ان يُقبل ليحمل لنا كل ألغازه و كل تكتمه و يضعنا أمامه
صفحة بيضاء يرسم علينا أهواءه .. يا ترى كيف سيكون ذلك القلم عندما يطلق على صفحة حياتي؟! وبأي لون سيرسمني؟!
يا ترى كيف سيكون ذات القلم حين يرسم صفحتي المشتركة وأمي !! و بأي شيء ستقابل عشقي لطفولتي الكبيرة حين أصبحت أنتزعها أنا من
فم السجان لا أنتظرها لانتزاعها لي؟!
يا ترى بأي شيء سنواجه الواقع في البعد هناك،وكيف ستلتقي مشاعرنا في مفترق الطرق ما بين الحياة واللاحياة!!!
يوم....يومان...عشرة.....عشرون.....خمسون.....مئة......مئتان......والعدد بازدياد....
حجارة السجن تحنو على ما بقي من جسدي لتلحفني ببرد الشتاء!!! صوت خرير الماء المتعب يحدثني بقصتي كل مساء حينما تسرق أمعائي
الخاوية نوما كان ينبغي أن يستقر بين جفوني ويساعدني على إغلاق عيوني تلك العيون التي بدأت أفقد نورها.....
الكرسي المتحرك أصبح صديقي في محنتي حين أضعه قريبا ليذكرني بذات القرب بين حياتي وشهادتي.....
ها قد طال انتظاري يا أمي،ألم الوطن يعصر أمعائي،عشق القدس يقتل قدرتي على التراجع....صمت الوطن يقتل قدرتي على الحركة.....
ماذا حل بعذاب الزنزانة أمام عذاب ضياع الوطن!!! ماذا حل بأمعائي الخاوية أمام مسؤولية تحرير فلسطين!!!!
الأمل اليائس من دنيا فانية كتب وصيتي في انتظاره للحرية الأبدية:
فقط أخرجوا جسدي من هنا واجعلوه يعانق عشقه الأول حين تصلون علي في المسجد الأقصى...
وما بين الحياة واللاحياة تنتقل الرسالة تحملها أمي بقلب يرتجف بنبض متسارع ثقيل....ينهار صمودها....تنهال دموعها...تهاتف الصمت تقول:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
.. !! ابني يموت
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"
لم أستطع يوما أن أكون بفصاحتها،عدت لطفولتي،لتلك اللقمة المتحايلة التي تحاول جاهدة أن تدخل فمي لتسمن جسدي الهزيل،لنظرتي لها عند
الطبيب حين أشكو ألما لتخبره عما حل بي...أمي دوما تلخص القضية.....
بقلم : حنين الجنة